سوق العطارين بطرابلس.. هنا كان المصلون يتعطرون منذ 700 عام

محمد البشير-طرابلس

يجلس الحاج عمر مرحبا (70 عاما) على كرسيه الخشبي أمام دكانه، وسط عشرات محلات اللحوم والخضار، ينادي بأعلى صوته علّه يتغلب على صوت الباعة المرتفع: “زهورات، مليسة، ورد، بابونج للبرد والرشح”. تأتي سيدة تعبت من البحث لتسأل عن عشبة تسمى “الزوفا” فتجد ضالتها لديه، فالحاج عمر يملك محلا للعطارة يعود تاريخه لأكثر من مئة عام في سوق العطارين بمدينة طرابلس (شمالي لبنان).

العطار عمر مرحبا من أمام محله يستذكر مهنة أجداده (الجزيرة)

تاريخ السوق
“سوق العطارين” من أشهر أسواق مدينة الفيحاء، وأحد الأسواق التاريخية فيها، سمي العطارين نسبة إلى الجامع العمري حيث كان يتعطر المصلون قبل دخول المسجد لتنتشر الرائحة في الأرجاء، فما إن تتجول داخل السوق حتى تجد نفسك في حقبة تاريخية تعود لأكثر من سبعمئة عام، لكن مع غزو المحال الجديدة في السوق لم يعد هناك شيء يدل على السوق إلا اسمه، فروائح العطارة التي كانت تنبعث منه حلت محلها روائح كريهة جراء بيع اللحوم والخضراوات التي حلت مكان محلات العطارة، ورغم هذا الاعتداء على السوق يرفض بعض العطارين إغلاق محلاتهم، إذ قرروا الصمود في السوق حفاظاً على تاريخه رغم خروج عشرات العطارين إلى أسواق المدينة.

مهنة أجدادي
يقول الحج عمر (صاحب محل عطارة) “أعمل في هذا المحل منذ أكثر من خمسين عاماً، وورثت هذه المهنة عن أجدادي، كان هذا السوق كله مليئا بمحلات العطارة، لولا خروج العشرات إلى المدينة بسبب انتشار المهن الأخرى، ولم يبقَ داخل السوق سوى بعض المحال التي تبيع العطور، ويقصدها الناس لشراء العطور، وبعض الحاجات نظراً لأسعارها المنخفضة.

عطور وبخور
ويتابع “أنا واحد من الذين قرروا البقاء هنا للحفاظ على تاريخ هذا السوق العريق، ولبقاء اسمه، هنا نبيع كل أنواع الأعشاب والحبوب والعطور، نبيع المليسة، والجبل، والزيزفون، والورد، والبابونج، والحنة، والصابون، وبزر الخردل، والحجر البركاني، إضافة إلى العطور والبخور”.

أصناف متنوعة من الأعشاب والحبوب (الجزيرة)

عيادة شعبية
يعتبر هذا السوق لدى الكثيرين بمثابة عيادة شعبية، فمحلات العطارة المنتشرة على جانبي الطريق تبيع مختلف أنواع الأعشاب الطبية، إذ إن بعض أصحاب محلات العطارة امتهنوا تركيب الأدوية وتحضيرها وفق وصفات طبية قديمة اكتسبوها من خبرات أجدادهم لمداواة بعض الأمراض.

يقول الحاج عمر “يأتي الكثير من الزبائن إلينا لشراء الأعشاب الطبية، فقط يشرحون لنا المرض فنصف لهم الأعشاب اللازمة، أغلب الأمراض تكون البحصة، وثعلبة الرأس، وارتفاع ضغط الدم، والضعف الجنسي، ويردف “محلات العطارة تعتبر للكثيرين الطبيب والمرجع، فدورنا لا يقتصر فقط على بيع العطور والأعشاب، بل نعطي الأدوية المناسبة لكل مرض من خلاصة الأعشاب المفيدة، فإن لن تفيد في علاج المريض فهي بطبيعة الأحوال لن تضره”.

الأعشاب دواء
يشهد السوق إقبالا كبيرا من المواطنين الذين يأتون إليه من القرى والمدن الأخرى لشراء الأعشاب والنباتات الطبيعية والحبوب؛ أملاً في العلاج وهربا من الأسعار المرتفعة للدواء.

تقول الحاجة أم علي (خمسون عاما) جئت إلى هنا لشراء عشبة “إكليل الجبل”؛ فهي مفيدة لعلاج ارتفاع ضغط الدم، وتضيف أن سعر الدواء هذه الأيام مرتفع جداً؛ لذا أحضر إلى العطار للحصول على تركيبة من الأعشاب كبديل عن الدواء”.

أصناف متنوعة من العطور والبخور والزيوت (الجزيرة)

انتشار الفوضى
أغلب محلات العطارة غادرت السوق بسبب انتشار الفوضى والقمامة والروائح الكريهة الناتجة عن بقايا اللحوم والخضراوات الفاسدة، إضافة إلى صعوبة وصول الزبائن للسوق بسياراتهم الخاصة. ويقول الحاج خليل (73 عاما) -أحد الزبائن- كانت الروائح الجميلة تنبعث من هذا السوق لحظة دخولك إليه، وكانت ترشدك إليه، وكان طوال اليوم يعبق بالعطور، وتغير السوق الجميل المفعم بالروائح الجميلة حتى أصبح خراباً، وأصبحت محلاته تنهار، لولا جهود بعض العطارين الصامدين”.

صمود وطموح
عدد قليل من أصحاب محلات العطارة بقوا في السوق يكافحون من أجل البقاء على مهنتهم؛ فالتطور التكنولوجي والأحداث المتتالية غيّرت معالم سوق العطارين، لكنه تمكن من الصمود على الرغم من تعرضه لهجمة من قبل التجار، إضافة إلى انتشار الطب الحديث والمستشفيات والصيدليات والأدوية المختلفة.

يقول الحج عمر “رغم كل ما يتعرض له السوق فإن بعض العطارين يحافظون على وجودهم، وما يزالون يمنون النفس بإعادة مهنة العطارة إلى مكانتها، وإعادة السوق إلى سابق عهده”.

المصدر : الجزيرة

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *