دخل وخرج دون أن تشعر به الحكومة!.. ترامب في العراق

على مائدة العشاء بعد أن عدت إلى بيتي بنهاية يومنا الأخباري، وإذ بوكالة رويترز تنقل خبرا عن البيت الأبيض مفاده أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في العراق، ثم صورٌ لوجود الرئيس الأمريكي وزوجته إيفانكا في قاعدة عين الأسد بمحافظة الأنبار غربي العراق، وبعدها يتوجه ترمب مباشرة إلى ألمانيا بعد زيارة دامت ثلاث ساعات التقى فيها جانباً من القوات الأمريكية، وذكر خلال اللقاء أن القواعد العسكرية الأمريكية باقية ولا نية لسحب الجيش الأمريكي من العراق، كما أكد أن تلك القواعد ستكون مركز انطلاق لضرب أهداف في سوريا.

 

اللافت في هذه الزيارة أنها جاءت دون علم الجهات الرسمية في العراق، بل دون علم أي جهة عراقية على الرغم من أن البيت الأبيض كان قد أعلن في وقت سابق أن ترمب سيزور العراق خلال الفترة المقبلة، دون أن يحدد موعداً للزيارة التي قال إنها ستقتصر على تفقد قوات بلاده، لكنْ أن يأتيَ ترمب ويرحل لتعلمَ السلطاتُ في العراق بزيارته من خلال رويترز أو بيان البيت الأبيض، فذلك ما يستدعي التوقف عنده.

 

وهنا أجزم أن أي سلطة أو جهة لم تكن على علم بموعد الزيارة ولو كان عندهم علم لنشروا الخبر أو سرَّبوه من خلال القنوات غير الرسمية، فكيف سيتم تبرير زيارة ترمب ورحيله على الأقل من قبل ما يسمَّى محورَ المقاومة؟ خصوصاً أن فصائل مسلحة مُنصوية في هيئة الحشد الشعبي منتشرة في الأنبار كانت قد توعَّدت القوات الأمريكية باستهدافها في حال استفزت قوات الحشد بتحركاتها، فماذا ستقول تلك الفصائل عن زيارة ترمب وحرمه إلى قاعدة عين الأسد التي توجد في منطقة  يتمركزون فيها؟ وأين استخباراتها التي يقولون إنها أفشلت كبرى المخططات الإرهابية إذا كانت لا تعلم بزيارة رئيس دولة إلى رقعة صغيرة في المحافظة؟ ثم كيف سيفسر إعلان ترمب إبقاء القوات الأمريكية في العراق واستخدام الأراضي العراقية لضرب أهداف في سوريا، خصوصاً بعد إعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أنه لن يسمح باستخدام الأراضي العراقية لضرب دولة جارة؟ وأن العراق دولة ذات سيادة، ولا يسمح بأن يكون غير ذلك! لكن يبدو أن السيادة غائبة عن الأرض التي يوجد فيها جندي أمريكي أينما كان ذلك الجندي وكيفما كان.

 

جميع من في السلطة وبضمنهم رئيس الحكومة لم يشعروا بترمب لا عندما دخل ولا عندما خرج إلا بعد أن قررَ هو إخبارهم بذلك، بعد يوم كامل على الزيارة

ترمب لم يلتقِ لا رئيس جمهورية ولا رئيس برلمان ولا رئيس حكومة، كما لم يشعرْ أحد بوجود سيادةٍ لأحد غيره وغير دولته على هذه الأرض، دخل وخرج ولم يعرف أحد بحضوره، فلا يبدو أن ترمب مكترث بأحد في السلطة بالعراق، حتى إنه لم يتكلف عناء الاتصال بالهاتف على مسؤول عراقي، ويبلغه أنه سيأتي أو أنه موجود أو رحل!.. الغريب أن زيارة ترمب جاءت بعد ساعات قليلة من تصريح السفير الإيراني إيرج مسجدي بأن القوات الأمريكية تصر على البقاء في العراق لإثارة الفوضى.

 

وفِي اليوم الذي عقدت فيه لجنة الأمن والدفاع النيابية اجتماعاً لمناقشة تداعيات الانسحاب الأمريكي من سوريا إلى أربيل في العراق، وفِي وقت تطالب فيه جهات سياسية مقربة من إيران الحكومة بإصدار قرار يجبر القوات الأمريكية على مغادرة البلاد لكن يبدو أن الإدارة الأمريكية بقيادة ترمب غير مقتنعة أصلاً بوجود سلطة ذات سيادة في العراق، وتحرجها بمواقفَ لا تُفسَّر سوى أنها عدم اعتراف بوجود تلك السلطات أصلاً، فماذا ستكون ردة الفعل لرد الاعتبار؟ وهل سيكون هناك رد فعل أصلاً؟

 

رسالة ترمب للجنود وهو يزورهم في أعياد الميلاد تبدو وكأنها رسالة دعم على مهام صعبة تنتظرهم، وكأنه جاء ليشحنَهم بقوة الخطابات الرنانة للرؤساء الأمريكيين، ترمب لم يأتِ للعراق حتى يقول للجنود عيد ميلاد مجيد فحسب، بل جاء لينقل رسالة إليهم ومنهم، الأولى أنها هنا بدعم الإدارة والقيادة الأمريكية، وأنهم باقون طالما بقيت تلك الإدارة، والثانية أنهم جاهزون للمهمة القادمة سواء في سوريا أو العراق أو حتى أهداف أخرى ترنو عيون ترمب إليها.

 

من المتوقع أن تهل علينا بيانات شجب من مختلف الفصائل المسلحة التي تتبع لما يسمى محورَ المقاومة تستنكر زيارة ترمب وتتوعد بضرب القوات الأمريكية والرد على انتهاك السيادة العراقية

رويترز

 

أما لماذا الأنبار؟ فهذه المحافظة ستكون مسرحاً لانطلاق مهام القوات الأمريكية نحو المحافظات الأخرى مثل صلاح الدين وكربلاء وبابل أبرز المحافظات التي توجد فيها أخطر الفصائل الشيعية المسلحة الموالية لإيران مؤخراً، إضافة إلى الأنبار نفسها التي يوجد فيها كم هائل من مقاتلي تلك الفصائل، لا سيما في المناطق الحدودية للمحافظة مع المحافظات المجاورة لها والحدود مع الأردن والسعودية وهي منطقة كبيرة جداً، ويوجد فيها أكبر منطقة صحراوية نشطت بها طيلة السنوات الماضية فصائل سنية عدة من بينها داعش، وهي إحدى المحافظات التي تسعى دول عدة للاستثمار بها، ومن بينها السعودية الجارة لها والتي يهمها أيضاً استقرارها لكون البديل عن الاستقرار إما داعش أو إيران.

 

ومن المتوقع أن تهل علينا بيانات شجب من مختلف الفصائل المسلحة التي تتبع لما يسمى محورَ المقاومة تستنكر زيارة ترمب وتتوعد بضرب القوات الأمريكية والرد على انتهاك السيادة العراقية، وبعد أن نقرأ أي بيان لهؤلاء يجب أن نسألهم، أين كُنتُم عندما دخل وخرج؟ ألم تشعروا به؟ كيف اخترق جهدكم الاستخباري الكبير الذي تعلنون أنه يكشف كل يوم عن مخططات إرهابية وجرائم قبل وقوعها؟ وقد نقرأ بيانات لنواب وأحزاب سياسية تطالب بمواقف من الجهات الرسمية ضد زيارة ترمب غير المعلنة والمهينة للسيادة والسلطة في العراق، لكن كل تلك البيانات والمواقف جاءت بعد إنهاء ترمب لزيارته وسفره وعودته، ولولا أنْ أعلنَ البيت الأبيض عن الزيارة لما عَلِمَ أحد بها.

 

مكتب رئيس الوزراء أصدر بياناً فيه مصيبة بالبروتوكول المتعارف عليه والمعمول به! إذْ ذكرَ البيان أن الإدارة الأمريكية أبلغت رئاسة الوزراء بأن ترمب سيزور العراق بتاريخ ٢٦ – ١٢ وكان من المفترض أن يكون هناك استقبال رسمي من رئيس الوزراء عادل عبد المهدي للرئيس الأمريكي لكن “تباين وجهات النظر” لتنظيم اللقاء أدى إلى الاستعاضة عنه بمكالمة هاتفية! لكن المصيبة العظمى هو أن البيت الأبيض ذكرَ في بيانه الخاص بزيارة رئيسه ترمب أن الأخير زار العراق في ليلة عيد الميلاد يوم ٢٥ – ١٢ أي قبل يوم كامل من إعلان الخبر، وقبل يوم من إعلان مكتب رئيس الوزراء عن الاتصال الهاتفي، وإن صحَّ ذلك فإن جميع من في السلطة وبضمنهم رئيس الحكومة لم يشعروا بترمب لا عندما دخل ولا عندما خرج إلا بعد أن قررَ هو إخبارهم بذلك، بعد يوم كامل على الزيارة.

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *